( أصابع )

قصة قصيرة
أيمن عبدالحق
في كل مرة يتشاجر معها تعاوده شكوكُه ، وكلما خلا بنفسه للنوم حاصرته أشباح الحيرة وحشرجات ( هل ) وأخواتها .
أصابعها التي زرعت سنبلات واثقة , نسيَت أن تقتلع شوكة جف الخوف في عروقها منذ أشهر . أصابعها وقد أيقظت ضمير الجدران, تعب الزوايا , التحف الموزعة بترتيب استثنائي هنا وهناك ، نسيت أن تقوم بترتيب خطوات تمردت في ضميرها . يظللها سراب ضبابي ويعيرها المجهول هالة شاحبة وتمتد إليها مخالب معقوفة تخدش تعرجات العمر الآسن .
في شرودها المتكرر تلقي بها الريح في هوة سحيقة . تتشظى ألف كلمة بلا معنى , المعاني فقدت ظلالها بعد أن حجز الجدب مقعدا في الذاكرة. وكثيرا ما يفشل زورق انفعالاتها في الإفلات من عاصفة جموحها .
هي تتحاشى النظر إلى عينيه ، وهو ينشد في عينيها عقابا أقل قسوة. يذبحه ولعها المتوالي بتفاصيل طارئة عليها ، ويؤرقه تجاهلها المتصاعد لأسرار شيداها معا . لم تعد تحفل باحتياجات أطفالها الخمسة ، ولم يعد يعنيها كثيرًا أن تروي عطشه أو تسد جوعه الغريزي ... يتوهج اشتهاؤه كلما انطفأ بوحها ، وتذبل انتصاراته كلما لمحها تداعب خصلة من شعرها وهي حاضرة في غيبوبة ابتسامة شاردة .. تدندن بأغنية لا يتذكر أنها ضمن الأثاث السمعي للمنزل , أو كلما لفحَهُ ضوع عطر لم يزر يوما ذائقته .
يستغرب عصبيتها الزائدة حين تنقطع خدمة الإنترنت أو تهاجم الفيروسات جليسها الوثير الذي يتوسد فخذيها. لكن الطمأنينة تغمر نفسه -أو تكاد- كلما تذكر أنها من مواليد برج العذراء .
في غيابها يطيل النظر إلى جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها… وفي حضورها تحجبه عنه التفاصيل الراعفة .
يخترق حاجز الكلام بنظرات يسترقها إلى لفتاتها التائهة . تيأس حبال جنوحه من ترويض استنتاجاته الثائرة .
يقترب منها.. يحاور أصابعها المسافرة التي عقدت صداقة حميمة مع لوحة المفاتيح... أصابع ربما لعقها ذئب ( افتراضي )… ربما .
في كل مرة تدهمه تقاطعات الأشياء وتفجؤه احتدامات الأحداث , يفكر... يحتضر :
"ما الذي يمكن أن أستثنيه من رقعة الأسئلة" ؟ .
إرسال تعليق